عالعافية يا قمر الحصادين
تأملات حول "تجربة" حصاد قمح البركة
لطالما سمعنا عن تلك العلاقة الوطيدة ما بين الحصّاد ومنجله، تحت جناح قمر الحصادين وسلواه. لدرجة انه المزارع بهوزج لمنجله وممكن جدا ينسى يطل ع احلى من في الغمّارات وهي قاتلة حالها بتعمل زاد للحصادين عشان عيونه (خلال موسم الحصاد، في مجموعة من النساء بتجمع حزم القمح المتبقية بعد حصد المحصول، اسم الحزم غمّور، والمرأة الي بتجمعها غمّارة.) فبقوم هو بأول يوم حصاد متحمس للقاء المحبوب المهيوب، الي معدنه ذهب وظهره مرفوع، وعشان يشهد الكل على حبه بقول:
مِنْجَلي يا مِنْ جَلاهْ، راحْ لَلحَدادْ جَلاهْ
ما جَلاهْ إلا بْعِلْبِة، ريتْ هالعِلْبة عَزاهْ
مِنْجَلي يا أبو رَزِّة، يَلِّي شَريتَكْ مِنْ غَزَّة
مِنْجَلي يا أبُو الخَراخِشْ، مِنْجَلي في القش طافِشْ
يا ريتِ الشِّوك ما بانْ، ولا تخلّقْ ولا كانْ عَمِنِّه
بتقوم الغمّارة بتطق من الغيرة من المنجل والقمحات، وقمر الحصادين بضحك عليهم كلهم وكأنه بحضر مسرحية محبوكة عشان تسليه لا اكثر ولا اقل.
يا ترى كم تشابهت علينا الأقمار حتى صار قمر الحصادين مجرد وجه من كثيرين للقمر، لا نرتبط به ولا بأرض تحتوي كل ايامنا؟ يا حرام يا قمر الحصادين اليوم شو انك طوّاق لتشوف وجوه جديدة تغني بليلك وتموّن من خيرك. كيفك اليوم يا حلو؟ متخبي من ثقل ايامنا العجاف ولا من الزعل ع فضاوة حقول الحنطة وحال بلادنا؟ احكيلي كيف كان جدي يغازل ضوّك؟ محدش خرفني اشي، طلعت من المولد بلا حمص، لا جد ولا ست حنوا علي بقصة عن فلسطين تبل عطش روحي الي شوي وبدها تطق. كان يهمسلك همومه ويحكيلك قديه بحب نورك؟ بتشاتق للحصّاد الي كان يتغطرس ويغني ”انا خيال المنجل، والمنجل خيال الزرع“ وكأن الدنيا خلصت عنده؟ صدقني الدنيا صارت قاحلة من وقت من وطي صوتهم وعلي صوت الهراء حولينا. طب بيني وبينك يا قمري، بتحب الفريكة ولا القمح اكتر؟ بحكيش لحدا ترا، احكيلي وسرك ببير. بتغار من الشمس الي بتنشف الفريكات وكأنك انت لا للسدة ولا للهدة؟
حاشى! تصدقش هيك حكي، اي انت عشان عيونك الشاي على الفحم ريحته بتكون فحفحت بالبيادر احتفالا بطلعتك، ولا تقول عريس ليلة حمامه.
اسفة منك كتير، عيب كبير واللّه انه حصاد القمح اليوم صار تجربة بنختبرها يوم الجمعة الصبح لمدة ساعتين وبنحس انها اشي ”بعيد تنظيم طاقتنا“. مع انه صدقني، جد انه حسيت جسمي عارف يحرك في الأرض من دون ما افكر في الموضوع. يمكن وحي الغُدفة الي ع راسي، مهي اكيد اكيد شافت حقول واراضي اكتر مني، انت عارف انها اكبر مني. شوفني وانا رايحة احصد قمحات يوم الجمعة الي فات بما انه الشمس هي الي شافتني مش انت، مع انه ولا اشي بوقف قدام بهاك.
تعال احكيلك مين شافني يومها. شافتني لانا، بنت خالي الي ما شفتها من تقريبا ثمن سنين، حصدت معي وعيطتنا ع حالنا شوي. تأملنا كيف اللغة بتعيد بلورة الدنيا حولينا، والفرق بين الي بحكي عربي (أنا) والي ما بحكي (هي)، بس بتعرف، سمعت ضحك واحنا بنحكي، اه والله زي ما بقلك، استفزني اول انه القمح من الغمّار فرط ع حاله من الضحك علينا، بس فهمت لما سمعت السنابل الي لسا المنجل ما قص اساسها بتحكي انه فش فرق بالحقل بين الي تهجر هون والي تهجر هناك، كلنا فلاحات والأرض حافظة طبعات اجرين جدودنا، رقرق قلبي للأمانة. حطيت الحنطات بذمتي وهم بضحكوا ع هبلنا مش علينا. اه صحيح، شفت كمان مؤمن وحلا، تنين تعرفت عليهم متل الورد، حكينا عن جد وعمام مؤمن الي حصدوا أراضي اكتر من الي عدوها، وحكالي كيف انه سيرة الحصاد عندهم هي والكُزاز واحد -مهو برضو يعني الرومنسية الي احنا فيها اتجاه الحصاد جاي عشان عم بنختبر تجربة لمدة ساعتين يوم الجمعة الصبح، مرة بالسنة-، سولفنا عن الزراعة الجماعية، وطموحاتنا بمجتمع بِلِم ع بعض، قلبه مش متكلف بالدنيا. تعرفت ع لارا، اثنت على قراري بلبس الغُدفة، وقلتلها اني بلبسها كل مكان تقريبا، دلتني من وين جابت وحدة، وحدثتني عن منديلها الي بتطرزه. وتعرفت ع ربيع ولمى، البركة، نظمولنا اليوم مع قمح البركة. حدثت ربيع عن كيف انه قمح البركة والجريشة بتنقطعش من عنا من الدار خلال فترة علاج امي من السرطان، عشان ما في احسن من بركة بلادنا.
بتعرف شو يا قمر، يا قمر الحصادين؟ كانت الحصدة ناقصة فنسنت فان جوخ، بفكر لو كان معنا هداك اليوم وشاف ناب الجمل شو كان صار في؟ بالنهاية هو مش احسن منا يعمل كل الفن ع ظهر القمحات، ما احنا مفروض فلاحين والدنيا رمتنا بالمدينة وما صح النا نشوف لا ”حقل قمح تحت غيوم رعدية“ ولا غيره، بس هينا حصدنا قمحات الظهير. معلش اخوي فان جوخ، ما طلع منك الي طلع من فلاح بسيط مولع بالفريكة قال لقمحاته وقلبه جذوره بالأرض:
يا ريتني غيمة وارد الشمس عنكو،
ولا مطر صيف وارد الربيع الكو

